كشف تقرير نشره موقع «نون بوست» عن الآثار النفسية والاجتماعية والأمنية التي لا يزال أبناء ضحايا فض اعتصام رابعة العدوية يعانونها، بعد مرور أكثر من 13 عامًا على أحداث 14 أغسطس 2013، في ظل ما يصفه التقرير بالملاحقة الأمنية والوصم الاجتماعي والحرمان من فرص التعليم والعمل.

ويرصد تقرير «نون بوست» شهادات عدد من أبناء الضحايا، الذين نشأوا في ظل تداعيات مقتل آبائهم، وما صاحب ذلك من مخاوف مستمرة من الأجهزة الأمنية، وقيود على حياتهم الشخصية والاجتماعية، فضلًا عن صعوبات في استكمال التعليم والحصول على وظائف وبناء مستقبل بعيد عن آثار تلك الأحداث.

 

 

 أبناء ضحايا رابعة.. طفولة تحت المراقبة والخوف


«أكره شهر أغسطس، وعلى الرغم من أنني أدرس في الأزهر، قررت ألا ألتحق بجامعة الأزهر في القاهرة».


بهذه الكلمات استهل محمد «م. س.»، نجل أحد ضحايا مذبحة رابعة العدوية، حديثه إلى موقع نون بوست عن أثر فقدان والده حين كان عمره عامًا واحدًا فقط.


ويبلغ محمد الآن 14 عامًا، ويقول إن والده لم ينتمِ إلى أي تيار سياسي، ولم يكن عضوًا في جماعة الإخوان المسلمين. ويوضح أن والده، شأنه شأن معظم أفراد الأسرة، كان سلفيًا متدينًا، لكنه لم يمارس العمل السياسي، بل عارض الجماعة في أحيان كثيرة.


ومع ذلك، شارك والده في احتجاجات ثورة يناير، شأنه شأن كثيرين عاشوا في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك. وعندما بدأ التصعيد السياسي ضد جماعة الإخوان المسلمين، شعر بأنه لا يملك خيارًا سوى الوقوف إلى جانب ما وصفه بالشرعية.
 

ويصف محمد فض الاعتصام بأنه الحدث الذي غيّر حياته بالكامل. ورغم أنه لم يشهد الواقعة بنفسه، لأنه كان رضيعًا آنذاك، فإن آثارها ظلت تلاحقه منذ طفولته.


ويروي أن عددًا من المدارس الخاصة رفضت قبوله بعدما علمت أن والده قُتل في رابعة، ما دفع جده إلى إلحاقه بمعهد أزهري، رغم أنه كان يفضّل إبعاده عن التعليم الديني حتى لا يلفت انتباه الأجهزة الأمنية.


ويضيف أن الأسرة بأكملها خضعت للمراقبة منذ مقتل والده، كما اعتُقل عدد من أبناء عمومة والده بسبب مشاركتهم في اعتصام رابعة. ويشير إلى أن ظروف الأسرة كانت ستصبح أكثر صعوبة لولا كبر سن جده وعدم وجود إخوة لوالده.


ويتذكر محمد استدعاء جده إلى قسم الشرطة بعد الذكرى السادسة لمقتل والده، بالتزامن مع تصاعد الدعوات للاحتجاج على النظام في سبتمبر 2019. وكان الاستدعاء بهدف تحذيره من المشاركة في الاحتجاجات.


ورغم أن جده، البالغ من العمر 65 عامًا آنذاك، طُلب منه الحضور في التاسعة صباحًا، فإنه لم يعد إلى المنزل إلا بعد مرور 12 ساعة، قضاها متجولًا في ممرات القسم، لا يعرف ما إذا كان سيعود إلى بيته أم لا.


ويقول محمد إنه لم يعرف تفاصيل ما جرى في رابعة إلا عندما بلغ العاشرة من عمره، بعدما شاهد مقاطع مصورة وصورًا لفض الاعتصام عبر الإنترنت. ولم يدرك حجم المأساة إلا بعد مشاهدة تلك المشاهد، رغم أنه كان يرى آثارها في حياة أسرته.


ويشير إلى أن عماته تعرضن لمواقف متكررة من الوصم الأمني والاجتماعي في أماكن عملهن؛ إذ أُفشل ارتباط إحداهن بخطيبها بعدما استدعته الأجهزة الأمنية لمجرد خطبته لشقيقة أحد ضحايا رابعة، رغم أنه لم يشارك في الاعتصام. كما خسرت عمة أخرى فرصة للتعيين في الجامعة للسبب نفسه.


وعندما عُرض الموسم الثاني من المسلسل التلفزيوني «الاختيار»، عادت إحدى عمات محمد إلى المنزل باكية، بعدما تحدث زملاؤها أمامها عن ضحايا رابعة، ووصفوهم بالإرهابيين الذين يستحقون القتل، هم وأسرهم، باعتبارهم خونة وقتلة. وقال أحدهم: «كلاب، وارتاحنا منهم».


ويحرص جد محمد على منعه من الحديث علنًا عن والده أو مناقشة السياسة عبر الإنترنت. وعندما بدأت قضية «Gen Z»، استدعاه جده وطلب من عمته مراجعة حسابه على فيسبوك وبقية حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، بحثًا عن أي شيء قد يؤدي إلى اعتقاله.


ويقول التقرير إن محمد، بوصفه نجل أحد ضحايا رابعة، يشعر بأن كل تحركاته عبر الإنترنت قد تُستخدم ضده، وإنه لا يزال في نظر الأجهزة الأمنية طفلًا، رغم أنه الوريث الوحيد لوالده الذي قُتل في ريعان شبابه.


ولا يرغب محمد في العيش بمصر؛ إذ يتساءل كيف يمكنه البقاء في بلد يوصم أسرته بأكملها، ويخشى فيه الحديث عن مقتل والده خشية التعرض للوصم نفسه. لذلك، يركز على تعلم اللغات حتى يتمكن من مغادرة البلاد بعد الجامعة والاستقرار في أي دولة أخرى.


لكنه لم يخبر جده بهذه الرغبة حتى الآن، لأن الأخير ينظر إليه باعتباره رجل الأسرة الذي حل محل والده.

 

 

وصم اجتماعي وملاحقات أمنية تطارد أبناء الضحايا


لا تقتصر تداعيات فض رابعة على تجربة محمد، بل تمتد إلى أبناء آخرين فقدوا آباءهم خلال الأحداث، ويواجهون تبعاتها في الدراسة والعمل والعلاقات الاجتماعية.


ويعود التقرير إلى 14 أغسطس 2013، حين استيقظ المصريون على أنباء فض اعتصام رابعة العدوية، الذي بدأ مع الساعات الأولى من ذلك اليوم. وكان الاعتصام قد انطلق في 21 يونيو من العام نفسه، بالتزامن مع دعوات معارضي الرئيس الراحل محمد مرسي إلى التجمع في ميدان التحرير.


واستمر الاعتصام، ثم تحول إلى تجمع لأنصار مرسي عقب إعلان الجيش عزله في 3 يوليو، وهو الإعلان الذي ألقاه الرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي بنفسه.


ويستشهد التقرير بشهادة سارة إبراهيم، ابنة محمد إبراهيم، أحد قيادات جماعة الإخوان المسلمين، التي روت أحداث 3 يوليو في مقال حمل عنوان «لماذا لم يخلقني الله بطة؟».


وعُثر على جثمان والدها في أحد الشوارع القريبة من مشرحة زينهم عقب فض الاعتصام. وتصف سارة في مقالها حياتها في مصر بأنها أشبه بالاحتجاز؛ إذ تطلب منها وسائل الإعلام الحديث عن الجماعة باعتبارها منشقة عنها وشاركت في أحداث 30 يونيو، لكنها ترفض توظيفها في أي مؤسسة إعلامية، وتقيّد عملها، وتحاسبها على كونها ابنة رجل قُتل في رابعة.


وفي الوقت نفسه، يقضي شقيقها عامه الثاني عشر في السجن. ويوضح التقرير أنه اعتُقل عن طريق الخطأ، ثم صدر بحقه حكم بالسجن، من دون سبب سوى كونه نجل أحد قيادات الإخوان المسلمين الذين قُتلوا في رابعة العدوية.


وأدى هذا الوضع إلى إصابة سارة باضطراب ما بعد الصدمة، الذي تسبب في فقدان مؤقت للذاكرة استمر عدة سنوات.


ولا تختلف معاناة سارة كثيرًا عن تجربة سعاد عبد الله، وهو اسم مستعار لابنة أحد ضحايا رابعة، لم تشارك في الاعتصام، لكنها لا تزال تعيش يوميًا تحت وطأة آثاره النفسية والاجتماعية.


وتعرض شقيقها للاعتقال في قضيتين منفصلتين، بينما تحمل هي وصمة كونها إحدى بنات ضحايا رابعة، رغم عدم مشاركتها في الأحداث.


وتروي سعاد، المنحدرة من محافظة المنوفية، أنها كانت في الثالثة عشرة من عمرها عندما قُتل والدها. ولا تزال تتذكر العام الدراسي التالي، حين حذّر عدد من أولياء أمور زملائها أبناءهم من الاختلاط بها، خوفًا من أن تطالهم الوصمة نفسها.


وتصف ذلك العام بأنه الأسوأ في حياتها؛ فبدلًا من أن تجد المواساة من أصدقائها بعدما انقلبت حياتها رأسًا على عقب، وجدتهم يبتعدون عنها خوفًا من الأجهزة الأمنية.



وعلى مدى عشر سنوات بعد فض الاعتصام، عانت سعاد وأسرتها اقتحامات متكررة لحياتهم، إذ كان أفراد الأمن يزورون منزلهم بانتظام، قبل اتهام شقيقها بالتورط في تفجير وقع بعد مقتل والده بسنوات واعتقاله.


وتؤكد سعاد أن شقيقها لم يشارك في التفجير، وأن اعتقاله جاء نتيجة تشابه اسمه مع اسم محتجز آخر. وكان عدد من المتهمين في القضية من المنطقة نفسها، فيما كان شقيقها طالبًا في كلية الهندسة.


وبعد عدة أشهر، اعتُقل شقيقها الثاني، ما دفع شقيقها الثالث إلى مغادرة الجامعة والعمل عاملًا في إحدى دول الخليج، بعدما خشي أن يلقى المصير نفسه باعتباره نجل أحد ضحايا مذبحة رابعة.


واضطر الشقيق الثالث إلى اتخاذ هذه الخطوة لإعالة سعاد وشقيقتها ووالدتهما، فضلًا عن تغطية تكاليف زيارات السجن التي تصفها سعاد بأنها «مرهقة إلى حد تحطيم الظهر».


ورغم تخرج سعاد في الجامعة قبل سنوات، فإنها لم تتمكن من العثور على وظيفة في تخصصها بسبب المضايقات الأمنية، ما اضطرها إلى العمل عن بُعد من داخل مصر، بصفتها مستقلة تقدم خدماتها لعملاء خارج البلاد.


وتتحسر والدتها يوميًا على مصير ابنتها التي لم تتزوج حتى الآن، وتقول إن الرجال الوحيدين الذين يتقدمون لخطبة بناتها هم أبناء المحتجزين، الذين يواجهون بدورهم خطر الاعتقال في أي لحظة، ما يبقي سعاد أسيرة الدائرة نفسها التي تعيش داخلها.


وتلخص سعاد حالتها بقولها: «أعيش في خوف دائم».


وتضيف أن تجربتها في المدرسة، والاقتحامات المتكررة للمنزل، والوصمة الأمنية المرتبطة بها، دفعتها إلى تفضيل العزلة والابتعاد عن تكوين صداقات جديدة أو التعلق بالآخرين.


كما تتجنب نشر أي محتوى على حساباتها الشخصية بمواقع التواصل الاجتماعي، ولا تكتب عن والدها أو شقيقيها، خوفًا من أن تدفع والدتها ثمن ثلاث زيارات للسجن بدلًا من زيارتين.


وتقتصر مشاركتها عبر الإنترنت على مجموعات العمل بصفتها متخصصة في إدارة مواقع التواصل الاجتماعي ومصممة جرافيك، مشيرة إلى أن معظم عملائها يقيمون خارج مصر.

 

 

 اضطراب ما بعد الصدمة وأعداد الضحايا.. آثار مستمرة بعد 13 عامًا


يحذر اختصاصي علم النفس عاطف نوار أقارب ضحايا مذبحة رابعة من مشاهدة التسجيلات المصورة القديمة للأحداث، لأنها قد تحفز أعراض اضطراب ما بعد الصدمة حتى بعد مرور سنوات طويلة.


ويوضح نوار أن تلك المشاهد تظل راسخة في الذاكرة، وقد تعود في صورة كوابيس أو صداع أو شعور دائم بالإرهاق.


وفيما يتعلق بتأثير الوصم المرتبط بالملاحقات الأمنية وفقدان الأصدقاء، يوضح نوار أن التداعيات قد تظهر في شكلين مختلفين.


يتمثل الشكل الأول في الخوف الغريزي، إذ يشعر الأطفال بأنهم مستهدفون باستمرار، ما يجعلهم أكثر ميلًا إلى العزلة والانطواء، وقد يدفعهم إلى الإصابة بالاكتئاب.


أما الشكل الثاني، فيتمثل في الغضب تجاه المجتمع والميل إلى العنف.


ويشير نوار إلى أن هذه الآثار تختلف من حالة إلى أخرى، وأن تقييمها يرتبط بكيفية تلقي الأطفال خبر مقتل ذويهم، وطبيعة التداعيات التي واجهوها لاحقًا في حياتهم اليومية.


وفي سياق متصل، لا يزال العدد النهائي لضحايا فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة، اللذين استمرت عمليتهما نحو 14 ساعة، محل خلاف.


ففي بيان صدر في نوفمبر 2013، أعلنت مصلحة الطب الشرعي المصرية أن عدد القتلى بلغ 377 شخصًا، بينهم 31 جثمانًا مجهول الهوية.


في المقابل، أعلن المجلس القومي لحقوق الإنسان مقتل 632 شخصًا في اعتصام رابعة العدوية، بينهم ثمانية من أفراد الشرطة، فيما وثّق موقع «ويكي ثورة» 904 ضحايا، إضافة إلى سبعة من أفراد الشرطة.


وفي بيان صدر في 16 أغسطس 2013، قالت منظمة العفو الدولية إن عدد الضحايا تجاوز 600 شخص، بعدما استخدمت قوات الأمن القوة المميتة دون مبرر، وأخلّت بتعهدها السماح للمصابين بمغادرة الاعتصام بأمان.


أما مصادر جماعة الإخوان المسلمين، فقدّرت عدد القتلى بنحو 2600 شخص.


وبعد مرور 13 عامًا على فض الاعتصام، يسلط التقرير الضوء على أن آثار الأحداث لم تتوقف عند فقدان الأرواح، بل امتدت إلى أجيال من الأبناء الذين يواجهون الخوف والوصم والقيود الأمنية، ويكافحون لبناء حياة مستقرة في ظل ذكريات لم يعيشوا بعضها بأنفسهم، لكنهم لا يزالون يتحملون تبعاتها حتى اليوم.

 

https://www.noonpost.com/en/386363/amp/